جلال الدين الرومي

5

فيه ما فيه

[ مقدمة ] بسم الله الرحمن الرحيم قال النبي « عليه السّلام » : « شرّ العلماء من زار الأمراء ، وخير الأمراء من زار العلماء . نعم الأمير على باب الفقير ، وبئس الفقير على باب الأمير » . فهم الناس هذا الكلام من ظاهره على أن العالم لا يجدر به أن يزور الأمير حتى لا يكون من أشرار العلماء ، وليس معنى الحديث ، كما ظنوا ، بل إن معناه إن شر العلماء من يستمد الأمراء ، ويكون صلاحه وسداده بواسطة الأمراء ، وأن ينتوى أولا - خوفا منهم - تحصيل العلم لأنه سوف يستمد منهم المال والاحترام والمنصب ، فكانوا هم إذن سبب صلاح أمره وتبدل جهله إلى علم . وإذا صار عالما تأدب بسبب الخوف منهم وبدافع عقابهم فيسير وفق سيرتهم حيثما ساروا . إذن على كل حال إذا أتاه الأمير زائرا أو أتى هو الأمير زائرا ؛ فهذا العالم هو الزائر والأمير هو المزور . لكن العالم إذا فكّر أنه لم يتصف بالعلم بسبب الأمراء بل كان علمه أولا وآخرا لله ولوجهه تعالى ، وكان طريقه وتعلمه على محجة الصواب ، لأنه تطبع بالصواب ولا يمكنه فعل غير الصواب كأنه سمكة لا تحيا إلا في الماء ولا يمكنها العيش خارجه ، ويغدو لمثل هذا العالم عقله سائسا له وزجرا حتى انزجر من هيبته كل العلماء في عهده واستمدوا نوره وضياءه ، فإن مثل هذا العالم ، إن أتى الأمير زائرا ، فإنه هو المزور ، والأمير هو الزائر ؛ لأن الأمير في كل الأحوال يستفيد منه ويمتاح علمه ، بينما هذا العالم عنه مستغن كالشمس الواهبة للنور ، أمرها عطاء ومنح على سبيل العموم تحيل الأحجار لعلا